ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )
611
المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر
الإقرار ، وله سجن وهو الخوف ، وله دليل وهو الفراسة ، وله بواب وهو المراقبة ، وغلق على باب المدينة وهو الصبر وتحته حسان وهو الشكر ، وله جنود ينصحونه وله أصحاب لا يخالفوه ، فبينما هو في قصره معتكف على نهيه وأمره . إذ أقبل بعض جماعته المشفقين عليه وقال له : أيّها الملك الكريم إنّ الشيطان الرجيم قد أقبل وتوجّه إليك في جيش عظيم ، فاحترس في قصرك واستعدّ في مدينتك ، فأنا أظنّه غداة غد واصل وعلى مدينتك نازل وعن حربك غير نأكل ، فنادى الملك في جماعته وأهل النصح من خاصته ، وأعاد عليهم الخطاب وطالبهم بالرأي والجواب ثمّ التفت إلى الوزير وهو العقل الخطير وقال : بما ذا تشير فقال : نحفر حول مدينتنا خندقا من الزهد فإنّه لباس عدونا يصد ولكيده يرد ، فسارعوا بحفره بمعاول القلق وأطلقوا في مجاريه دموع الأرق ، فلمّا أحاط الخندق بالمدينة أنشأه في الحال يقول : ولّما أحاطت بي جنود وساوسي * حفرت لزهدي حول قصري خندقا حفرناه في أرض التودد والصفا * وأجريت فيه دمع عيني مدفقا وصابرت وجدي واعترفت بخالقي * وأصبحت من كيد المكاره مطلقا فبينا هو كذلك إذ علت غبرة الباطل ، وأقبل العدو بين فارس وراجل ، فنزل الهوى عن يمين المدينة وضرب خيامه ودق طبوله ونشر اعلامه وكانت جنوده عشرة : وهي الحسد والكبر والعجب والتجبر والغل والمخالفة والحقد والغدر والوسوسة في الصدر ، ونزلت النفس عن شمال المدينة وكانت جنودها عشرة : وهي الحرص والشهوة والرغبة والقسوة والزيغ والشح والبخل والطمع والأمل والكسل ، ونزل حبّ الدنيا أمام المدينة وكانت جنوده عشرة : وهي الرياء والتفاخر والتكاثر والبطر واللهو واللعب والزور والكذب والغش والخديعة والتفريط في الشريعة ، ونزل إبليس اللعين من وراء المدينة وكانت جنوده عشرة : وهي الظلم والخيانة وترك الأمانة والكفر والنفاق والإفك والشقاوة والعداوة بين الأهل والجيران وحبّ الزينة والمال ومعصية ذي الجلال ، فهال الملك ما أبصر وارتاع وتحيّر ثمّ أنشأ يقول : إنّي بليت بأربع ما سلطوا * إلّا لعظم بليتي وشقائي إبليس والدنيا ونفسي والهوى * واللّه ينصرني على الأعداء إبليس يسعى في سبيل مهالكي * والنفس تأمرني بكلّ بلائي وجنودهم حاطوا بحول مدينتي * يا عدّتي في شدّتي ورخائي